كتبها عبد الواحد رحماني
الإسلاميون: هل هي النهاية؟
حينما اندلعت أحداث ما يسمى الربيع
العربي، استبشرت الحركات الإسلامية خيرا وظنت ان نجمها سطع وأن الظروف مناسبة
للوصول إلى السلطة وكان لها ذلك حقا في تونس ومصر من خلال عملية انتخابية شفافة
وبمشاركة شعبية كثيفة...غير أن القوى
السياسية الأخرى المخالفة لهذه الحركات عملت بمنهجية دقيقة وبتنظيم محكم وفي ظرف
قصير أن يشيطنوا هذه الحركات خاصة في مصر وأن يجعلوا قطاعا واسعا من الشعب يطالب
برحيل من اوصلته من قبل إلى سدة الحكم وهذا يجعلنا نطرح السؤال التالي: هل ما حدث
في مصر مثلا هو بسبب كيد العلمانيين واللبراليين واليساريين التاريخي للتيار
الإسلامي أم أنه بسبب الضعف المنهجي والسياسي للحركة الإسلامية؟
فالكثير من
التجارب السابقة في كثير من البلدان الإسلامية أظهرت سذاجة التيار الإسلامي وعدم
قدرته على فهم الظروف العالمية التي هي في غير صالح التيارات الإسلامية.
من التاريخ:
قد
مرت علينا التجربة الجزائرية أين ظنت الجبهة الإسلامية أنها ملكت قلوب الجزائريين
وذهبت بسبب غرورها الذي اكتسبته في الإنتخابات البلدية اولا ثم عند إجراء الدور الاول إلى الإعتقاد أن الظروف
مواتية لبسط نفوذها على جميع مفاصل الدولة وكان كل ذلك نابع من تحليل سطحي للظروف
دون تعمق ودون معرفة حقيقية بالتحديات و بحقيقة الدوائر المناوئة لها والحقيقة ان
ميزة الغرور هذه هي ميزة اغلب الحركات الإسلامية التي غالبا تدخل في صدام مع
السلطة بسبب الغرور بالقوة. والنتيجة أن ما بنته الحركة الإسلامية من إمكانات
فكرية ومادية في سنوات ضاعت في أشهر...
و الذي ينظر إلى هذه التجربة المرة التي مرت بها الجزائر وما عاناه الشعب
يدفع بنا إلى النظر إلى طبيعة العمل السياسي للحركة الإسلامية التي بات الشغل
الشاغل لها هو الوصول إلى السلطة كهدف رئيسي لها وهنا يكمن الخلل، إذ أنها غفلت عن
مجال تبليغ دعوة الإسلام إلى الجماهير وتربية الناس على الإلتزام بالعقيدة
الربانية في جميع مجالات الحياة، لقد هاجرت غالبية الحركات مجال الدعوة والتربية
الذي كانت تمارسه في عهد السرية وكسبت قلوب الآلاف واستطاعت أن تعيد للشرائع
والكثير من تعاليم الإسلام بريقها وتعيدها إلى حياة الناس بعدما عملت القوى
اليسارية على ابعاد الدين في الكثير من المجالات الحية للمجتمع. ترك هذه التيارات
لجانب الدعوة والتربية وانغماسها في السياسة جعلها عرضة للمكائد، وطبعا سذاجتها
وانغلاقها على نفسها وجهلها بالظروف الواقعية المحيطة بها وفقدانها للمنهج السليم
وعملها دون تخطيط جعل حركتها سلبية وربما هي نفسها من أنتج أسباب فشلها وعدم
قدرتها على تغيير ميزان القوة رغم عدد أفرادها.
مصر مجددا؟
إن الأحداث الجارية حاليا في مصر تؤكد مجددا أن
الحركة الإسلامية ما زالت ساذجة وما زالت تتحرك في الواقع دون منهج ودون خطة مما
أفقدها فاعليتها فهل هي نهاية خرافة الحركة الإسلامية وقدرتها على إخراج العالم
العربي خاصة من تخلفه الفكري والثقافي والإقتصادي؟
الجواب يحتاج منا نظرة عميقة لأبجديات الحركة الإسلامية وظروف ظهورها منذ
حركة محمد عبد الوهاب رحمه الله، والتي
حاول فيها رحمه الله تطهير الجزيرة العربية من مظاهر الشرك المنتشرة في الأرض
الطاهرة. كانت بعدها جميع الحركات الإصلاحية
التي تجعل من الإسلام مرجعا لها لإخراج العالم الإسلامي من تخلفه ومن
تبعيته الكلية للغرب الإستعماري، والغريب أن الحركة الإسلامية الحديثة ما زالت
تريد أن تضع الحلول للمشاكل العديدة التي تعيشها البلدان الإسلامية من منظومة
فكرية انتجتها ظروف ما بعد الإستقلال ، هي حلول كانت قد وضعت لفترة الستينات
والسبعينات، فحتى البنية التنظيمية لها لم تتغير وبقيت تسير على نفس الطريقة التي
وضعها لها مؤسسوها الاوائل وفق الظروف الزمانية والمكانية المحيطة بهم في وقتهم،
وهذا طبعا نتج عنه حالة من الإنفصام بين أفكار هذه الحركات التي لم تطور من
وسائلها ومناهجها وبين الواقع المعيشي للشعوب، التي تكتشف عدم قدرة هذه الجماعات
على مسايرة الاحداث المتسارعة وفشلها في إسقاط أفكارها على الواقع وبذلك تغيير
احوال الناس. وهنا لا بد لنا ان نقر شيئا مهما، هو ان بحكم تجذر الإسلام في
اوساط الجماهير تجد الحركات الإسلامية تعاطفا كبيرا لدى هذه الأوساط كحركات تدافع
عن القيم الإسلامية وان أفرادها يتميزون بأخلاق عالية غير ان الواقع المزري للمجتمعات العربية،
وانتشار بؤر الفساد فيه وتغلغل الفقر والجهل في ربوع هذه المجتمعات ، يجعل من
الصعب الإعتراف لهم بالقدرة على تسيير شؤون البلاد والقدرة على إخراجهم من تخلفهم
، والأسباب كثيرة يمكن لنا ان نشير إلى بعضها .فالحركات الإسلامية تعرضت لكثير من
الظلم والأذى والقمع إضافة إلى هجمة شرسة إعلامية منظمة لشيطنة المنتمين
والمتعاطفين مع هذا التيار في إطار مقولة "اكذب اكذب حتى يصدقك الناس"
او مقولة "إذا أردت أن تقتل كلبك ارميه بمرض الكلب" وللأسف الشديد ضعف
الإسلاميين اعلاميا وفي إدارة الحرب الإعلامية والصراع الفكري جعلهم لم يقدروا على
كسب المعركة الإعلامية وبذلك فقدوا القدرة على حماية مكاسبهم.
نقطة
نظام:
قوقعة التيار الإسلامي ورفضه الدخول في تسيير مؤسسات الدولة والمشاركة من
الداخل على تغيير الاشياء بحكم تحريم التعاون مع الظلمة وخروج هؤلاء عن الشرع جعل
القيادات الإسلامية في كثير من الاحيان غير قادرة على تحليل الاحداث الجارية وغير
قادرة على فهم التحديات الداخلية
والخارجية المحيطة بالاوطان وربما حينما سنحت لها الفرصة ان تصل إلى السلطة فشلت
في إدارة الفترة الإنتقالية كما حدث في مصر ، فكان تسيير المرحلة الحرجة التي ميزت
مصر من حيث تشعب المشاكل التي تفرخت من سياسة للنظام السابق الذي نخر خيرات البلد
وجعل اهلها شيعا وأكثر فيها الفساد و أفرزت سياساته الخاطئة ان ورثت السلطة النابعة
من الشعب مشاكل لم تستطع تقديم إشارات تبين بصيص امل لملايين من الشعب التي كانت تريد
تغيير ما أفسده النظام السابق في ثلاثين سنة في سنة واحدة، وطبعا حينما ترى شعبا
يكثر في طلب الحقوق ويترفع عن فعل الواجب فاعلم ان الفوضى هي مآل هذا المجتمع.
اقول ان الإسلاميين لم يقدروا على إيجاد الحلول الملائمة ولم يقدروا ان يغيروا من
سلوك الشعوب التي تميل أكثر للإستهلاك وطلب الحقوق التي ورثته من النخب الفكرية
والسياسية التي سيرته من قبل ووجهته
وبرمجته لذلك وتجعله مجتمعا يبذل ويضحي من أجل الآخرين، وتجعل أفراده تسعى لأداء
الواجب اولا وتحمل مسؤوليته إزاء الآخرين فهذا فقط من يبني ويعمر اما ان تكون
الأفراد وهم يثورون على الظلم والإستبداد يعتقدون أن الثورة هي مجرد إسقاط الأنظمة
و يغفلون عن حقيقة الثورة انها خطة ومنهج تغيير تصل إلى استبدال فكر بفكر آخر
وسلوك بسلوك آخر وان تبدل عقلية المطالبة بالحقوق إلى عقلية التضحية واداء الواجب،
فالثورة هي هذا ، وللأسف الشديد التيار الإسلامي على عمومه لم يغرس هذا الفكر
القرآني النبوي الذي سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم الذي أكد على ان عمارة
الأرض واستحقاق الإستخلاف الرباني يحتاج إلى أفراد يقدمون أداء الواجب على
المطالبةبالحقوق ، ويجعلون التضحية من اجل الآخرين والشعور بالمسؤولية اتجاههم هو
السبيل الاوحد لذلك وطبعا كما قلت التيار الإسلامي في هذا سار على ما سار عليه
التيار العلماني اليميني واليساري من تقديم المطالبة بالحقوق على حساب القيام
بالواجب... فهم في خطابهم السياسي يشتركون في أبجدياتهم مع هذه التيارات وكان
الاولى ان يكون خطابهم يتميز بتوجيه الضمائر والعقول إلى التنافس على اداء
الواجبات وليس التنافس على الحقوق .
وماذا
بعد؟
تاريخ البشرية مليء بالدروس ، خاصة عندما يصبح التنافس على كرسي السلطة
تنافس على حق وليس تنافس على أداء واجب، والمشكلة ان التيارات جميعها في العالم
العربي الإسلامي بما فيها التيار الإسلامي يسعون للسلطة من باب ان ذلك حقها، فهل
السلطة حق ام ان السلطة باب من أبواب أداء الواجب؟
فالخطاب الذي نسمعه من الجميع يوحي
بهذا الخلل، فكل النخب الفكرية والسياسية تسعى للوصول للسلطة والإستفراد
بها على أساس ان كل فصيل يعتقد أن ذلك من حقه باعتبار أنه يمثل الأكثرية، او أنه
يمثل الكفاءة، وغير ذلك من المبررات الواهية، لقد كان شريعة نبينا صلى الله عليه
وسلم سباقة إلى اعتبار ان السلطة هو سبيل لأداء واجب إزاء الله وإزاء الناس من
خلال أداء حقوقهم كاملة فهذه هي الأمانة التي امر الله بها عباده ، وقد فهم هذا
الخلفاء الراشدون حين شعروا بخطورة هذا المنصب فكانوا شديدوا الحرص على حقوق
الناس، والعمل على نشر العدل في الحياة مما أشاع جو من الأمن والطمأنينة في نفوس
الناس، لقد كانوا يؤدون وظيفتهم الإستخلافية وهم في فزع دائم ، لقد كان ابا بكر
رضي الله عنه يخرج من بعد صلاة الفجر إلى
خارج المدينة من أجل امراة مسنة عمياء لا احد لها سوى الله تعالى ليخدمها ، وكان
عمر يتفقد الناس ليلا وهم نيام ليعرف احوالهم وكان ذلك من شعورهم بالمسؤولية
الملقاة على عاتقهم وهذا ما نستشعره من عبارة عمر رضي الله عنه" لو عثرت بغلة
في العراق لسئل عمر لما يا عمر؟" وهذا الإحساس بان السلطة هو سبيل لأداء واجب
تغير بعدما أصبح السعي للحكم على أساس انه حق خاص لفئة معينة دون غيرها بداية من
عصر الأمويين وتكونت عند الناس فكرةان الخلافة حق لهذه الأسرة دون غيرها وزال مبدأ
الشورى من واقع الناس، وهنا بدات الصراعات الدموية من اجل العرش والكرسي، وأصبح
التطبيق الإسلامي للسلطة يلتقي مع المفهوم المسيحي للسلطة الذي ما زال لم يتغير
إلى وقتنا الحالي .اذا يمكن لنا أن نقرر أن التيار الإسلامي منذ أن جعل العمل
السياسي لتغيير الأنظمة الاولوية في حركتها، لم تستطع أن تبلغ ذلك لان جميع الظروف
كانت ضده، هذا من جهة ومن جهة اخرى اختيار المواجهة وفي بعض الاحيان اتسمت بالعنف
الدائمة مع جميع النخب الفكرية والسياسية المخالفة لهذا التيار ورفض العمل على
خريطة طريق مشتركة معها ساعد على اتساع الهوة مع شريط واسع في المجتمع، وبقي
الخوف من التضيق على الحريات وضياع حق المخالف
وخاصة في ظل تضليل إعلامي رهيب للقوى العلمانية اليسارية واليمينية التي كانت تركز
على سلوكات عنيفة للإسلاميين و إظهار سلبياتهم كأنها هي السمة الرئيسية لهذه
الحركات، بل حتى بين اوساط التيار الإسلامي كانت هناك حساسيات مختلفة وصل الحد في
بعض الاحيان إلى تكفير جماعات لجماعات أخرى رغم اتخاذها الإسلام مرجعية لهم.فإذا
كان الحال هذا هو في المنتسبين للمرجعية الإسلامية فكيف يشعر من كان في التيار
العلماني اليساري واللبرالي ؟ نعم الخلل كبير جدا وللأسف غرور التيار الإسلامي
جعله لا يقبل أن ينقد ولا يقبل حتى أن يراجع مسلكه وسياسته الحركية من الداخل لذا
كثيرا ما يفصل أي طرف يريد أن يغير بعض السلوكات السلبية بل كل من يتجرأ أن ينقد
القيادة ويتقد السياسة المتبعة.
فالحق يقال ان هذا التقوقع ورفض النقد والدخول في مواجهات دائمة مع
المخالفين سبب هذه الهوة الكبيرة مع شرائح كبيرة من المجتمع. فالإسلام اولا شريعة
جاءت للعالمين لتخرجهم من ظلم البشر إلى عدل الإسلام، بمعنى ان الإسلام يهدف إلى
تحرير الإنسان ليبلغ درجة التكريم ، لابد أن يحس هذا الإنسان أن الإسلام يحمي
حريته ويرفض الإستبداد من أي قوة بشرية اخرى، لابد أن يشعر أن شريعة الله تريد منه
أن يكون مبدعا منتجا مسؤولا يسعى لعمارة الأرض وتقدم له الضمانات الكافية من أجل
حياة الكرامة والعزة .وربما التيار الإسلامي انغمس في العمل السياسي المبني على
المطالبة بالحقوق والمغالبة للحصول عليها ونسي تماما دوره الاول والرئيسي أن يبلغ
دعوة الإسلام للعالمين ، ولأن التيار الإسلامي ضعيف فكرا ومنهجية وتخطيطاولم يستطع
أن يستقرئ الماضي والحاضر وليس له قدرة على استقراء المستقبل، لم يتمكن لحد الآن
من إقناع الكثير من السكان رغم تعاطفهم معهم ورغم التزامهم الديني في جانب
العبادات .
http://wwwzouaoui15.blogspot.com/

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق