الجمعة، 3 مايو 2013

الثورة على الفرعونية .

أزفون/ غروب الشمس
أزفون يوم الجمعة 03/05/2013        
 عبد الواحد رحماني         




     يقص علينا القرآن قصة  الطغيان والتسلط مجسدة في شخصيتين عاشت كل واحدة في حقبة زمنية مختلفة عن الأخرى، وتتفقان في البيئة الجغرافية الواحدة ، كما تشتركان في حب السلطة وميلها إلى استعباد الآخرين... هما النمرود الذي عاش في زمن ابراهيم عليه السلام ، وفرعون الذي عاش في زمن موسى عليه السلام.... كان الإثنين له ميل غريب نحو العدوان والإستكبار يساندهما في ذلك رجال المال والكهنوت القارونية والهامانية .. ويحكي لنا القرآن الرغبة الكبيرة للتأله وهذه كانت صفة الكثير من الأفراد في مختلف الأزمنة والأمكنة، من اليونان إلى الرومان وغيرها من النماذج الحضارية التي ظهرت في العالم...لقد كانا يجدان لذة كبيرة في التسلط على الآخرين إلى أن أرسل الله تعالى نبيان كريمان كل واحد منهما كان مطلوبا منه أن يحارب هذه الرغبة الكبيرة في التسلط ولإستعباد الناس عند الحاكمين...
                                  فالنمرودية والفرعونية إلى جانب حلفائها من القارونية والهامانية عصبة ليست مرتبطة بزمن ما ومكان ما، فهي تمثل رغبة ابن آدم في امتلاك القوة وتوجيهها لحرمان الآخرين من حريتهم ونزع الدوافع الخيرة فيهم..  هي تسعى أن تجعل من الآخرين امة مستعبدة لهم، لا ترى الصلاح إلا ما تراه هي صالحا،والحق ما تصفه هي حقا والباطل هي ما تعتبره باطلا.... هكذا في كل العصور والأمكنة.
  وهنا نستحضر هذا السؤال:  ما هو الأسلوب الذي وجه إليه الله الواحد ابراهيم وموسى للقضاء على النمرودية والفرعونية؟ هل هو اسلوب الحكمة ام اسلوب القوة والمواجهة؟ 

                                 قبل الإجابة عن هذا السؤال، لابد لنا أن نؤكد على  أن النمرودية والفرعونية  وحلفائها من القارونية والهامانية مشروع تدمير الحياة الكريمة للإنسان، مشروع يتبنى أسلوب التكبر والطغيان ويختار الجهل كسبيل لبلوغ الأهداف، هو مشروع يعمل على  تمكين الباطل أن يسود من خلال تجريد  الناس من حرياتهم وحقوقهم المشروعة... ولهذا السبب كان الرسل صلوات الله عليهم وهم أول من حارب هذا المشروع ، بمشروع آخر يجعل من الإنسان محور الحياة الدنيا، ويحمل منظومة فكرية وأخلاقية تسوي بين مختلف شرائح البشر، وتشعرهم بانهم خلقوا من أجل وظيفة بناء وعمارة هذه الحياة، بنشر المعرفة الحقة، وبسط رداء العدل والمساواة والكرامة الإنسانية واستخدامها لنشر الخير والحق في ربوع الأرض . وذلك كله تحت سقف عبادة الواحد الأحد .
                                      فهما إذا مشروعين متناقضين ، أحدهما تدميري والآخر بنائي إعماري،  الأول يجعل من رغبة التسلط والعدوان طريقا لبلوغ ما يصبو إليه، والآخر يسير بنور من الله تعالى وهديه، ويرفع من قيمة الإنسان الخيرة فيه ليصنع حضارة تليق بمقام الإنسان المكرم ، وتليق بالوظيفة الإستخلافية لابن آدم.  الفرعونية والنمرودية تميل نحو الشهوة والإعتداء وتدفع إلى الموت والإندثار، والمنظومة التي حملها الأنبياء والأصفياء توجه النفوس إلى الحياة والنمو.
         الفرعونية والنمرودية اسلوب حياة تدفع نحو تحطيم أجمل وأفضل ماعند الإنسان وتجبره على تقليد أسوأ ما عندهم، هم ينظرون إلى العباد أنهم مخلوقات دونية نجسة لا يقربها المرأ طائعا، بل ينفض عنها بقرف إذا ما أرغم على لمسها ولو لبرهة واحدة.. منظومة هذه العصبة قد يجسدها شخص واحد، كما يمكن أن تجسدها دولة ما...
                                 أما منظومة الأنبياء والأصفياء كانت تدعو إلى غرس أسس الحب والتعاون والتكافل بين مختلف العناصر البشرية من أجل حياة أفضل، والتي تؤسس للعدالة والحرية والمسؤولية الدافعة للبناء والتعمير ، وهذا المشروع الذي حملته هذه الصفوة من الخلق والذي يعد الطريق الأسلم لكل من يكافح من أجل كرامة الإنسان واحترام حقوقه الأساسية في جميع الأزمنة والأمكنة ، يتأسس على الحكمة والموعظة الحسنة والحوار المتمدن، والبرهان السليم الصادق على  المعاني الإنسانية الذي يدافع عنها، ليس  فيه لفكرة القوة أي سلطة ، بل قوة الفكرة هي التي تسود، كان ابراهيم وموسى عليهما السلام انموذج الحق لحاملي هذا المشروع، لقد وجها من الله تعالى أن يرفعوا منارة هذا الهدي الرباني بالحكمة والقول الحسن، فهو كفيل بتحطيم أصنام الفرعونية والنمرودية، وقصور القارونية والهامانية  ليس في ذلك الزمان وحده، بل في جميع العصور والأمصار، هو طريق الفلاح والرشاد حينما يسير كما سطره المولى عز وجل بعيدا عن الأهواء والأحقاد، بعيدا عن أسلوب القوة والدمار، بعيدا عن طموحات النفس البشرية  الطاغية لحياة المادة والشهوة.
                                 ونحن نعيش ثورات شعبية في العالم العربي ضد طغيان الأنظمة الحاكمة، والتي للأسف الشديد زاغ عن هذا الأسلوب البنائي والإعماري، واختار طريق الدم والقوة وهو طريق لا يبني أبدا، رغم أنه قد يصل إلى إسقاط هذا الطاغي أو ذاك، ولكنه لن يصل إلى بناء إنسان البناء والتعمير، إن زوال الفرعونية والنمرودية الحديثة هي من صنع الله وحده حينما يكون السائرون والمكافحون لذلك هم من حملة رسالة الرحمة والحب والتعاون والتكافل والإحسان والصدق والإخلاص...والتي تسعى بالحكمة والكلمة  الطيبة إلى تحطيم أسس الفرعونية والنمرودية ...أما والحال غير ذلك ، فكل سبيل آخر يجعل من الدمار والقتل وسفك الدماء أساس التغيير فهو مآله الفشل عاجلا أم آجلا، والسبب أن التجارب البشرية تؤكد أن جميع من أطاح بالديكتارتوريات بالدم والعنف سقط هو في الطغيان والظلم بمجرد وصوله إلى سدة الحكم، بل تجد رفقاء الكفاح منهم يصفي بعضهم بعضا. وكل طرف يخون الآخر. إضافة إلى ذلك فنفسية الإنسان تميل إلى التسلط  وتجد فيه لذة، خاصة وأن بيئة القتل والدمار تجعل من الفرد منزوع العواطف والأحاسيس الإنسانية و تجعل منه وحشا متسلطا على بني جنسه.
     











http://wwwzouaoui15.blogspot.com/

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق