أزفون يوم 17صفر 1433هـ/11/01/2012
كتبها عبد الواحد رحماني
ليس من الصعب أن تقوم ثورة، فحين تتوفر عناصرها وتجتمع شروطها تنطلق شرارتها بأضعف عدد ممكن، لكن الأصعب هو المحافظة على مكاسب الثورة.وهنا لابد من عناصر جديدة وشروط اخرى ليست كالتي تفرز الثورة، فإذا كانت الثورة تحتاج إلى من يحركها ، فما بعد الثورة يحتاج إلى قيم تحرك رجالها ومبادئ تؤطر الجماهير.وهذه القيم والمعايير لا تقوم لها قائمة حتى تستقيم بدوافع قوية وثابتة قائمة على الحق واحترام حقوق الآخرين والحفاظ على كرامتهم الإنسانية والتعاون معهم على الخير والبر والتقوى.
ومن القيم الثابتة المستفادة من جل الخبرات البشرية الإصلاحية والتغييرية وعلى رأسها ما تميز به ميراث الانبياء والرسل صلوات الله عليهم من خبرات في هذا المجال حين كانت تركز في دعوتها على القيام بالواجب وليس على الحق، على أساس أن الحق هو نتيجة حتمية للقيام بالواجب. والأكيد أن هذه القيمة هي وحدها من يرسم نجاح الثورة و هي من يحميها من بعد ذلك ويوفر لها أسباب استمراريتها للوصول إلى أهدافها المرجوة.
والذي دفعني للكتابة في هذا الموضوع هو ما نلاحظه في سلوكيات الجماهير التي ثارت لإزالة رموز الإستبداد والطغيان في تونس ومصر وليبيا وغيرها، والتي بعد شهور من التضحيات تمكنت من إزالتها ولكن ماذا بعد ذلك؟.. لقد كنا ننتظر من هذه الشعوب وخاصة من يؤطرها من القيادات الفكرية والسياسية أن ترصى ثقافة جديدة تتماشى مع الحالة الجديدة، وهي تعلم علم اليقين أن مفرزات الحكم الإستبدادي وميراثها السلبي على السلوكيات اليومية لن يزول في وقت وجيز...ولكن يبدو أن الأنظمة حقيقة سقطت وبقيت الرواسب الفكرية والثقافية التي كانت الأرضية الصلبة لحكم أولئك الظلمة...وها نحن نلاحظ أن الشعوب تتسارع بالمطالبة بحقوقها وهي شرعية حقا، لكن هذه المرحلة هي مرحلة فعل الواجب ، هي تحتاج إلى جنود يسهرون على إعادة الحياة لكل المؤسسات التي تضررت زمن الثورة..تحتاج إلى ثقافة الواجب التي هي وحدها عماد الرفاهية والإستقرار و الحرية والكرامة الإنسانية...
إن هذه السلوكيات التي باشرتها جل المنظمات الإجتماعية والسياسية والنقابية والطلابية من خلال المطالبة الفورية بحقوقها مع الغياب التام بواجباتها لهي العلامة الدالة على فشل الثورات هذه ، فليس بمجد في عملية البناء الحضاري والسعي من اجل كرامة الإنسان وحريته ورفاهيته واستقراره تجديد الأشياء فقط وتبديل الأشخاص فقط بآخرين، بل السعي إلى تجديد الأفكار التي زرعتها الأنظمة المستبدة بصورة جذرية، تعوض تلك التي تؤدي إلى الظلم والهزيمة والفضيحة وتطرح بدلها الأفكار الحية التي ترفع الإنسان إلى قمة واجباته أمام الظروف الجديدة.. إن التاريخ كما عبر عنه مالك بن نبي رحمه الله تعالى يبدأ من مرحلة الواجبات المتواضعة الخاصة بكل يوم، بكل ساعة بكل دقيقة.
http://wwwzouaoui15.blogspot.com/

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق