السبت، 26 ديسمبر 2015




ما عسى أحدنا أن يقول في الزعيم الراحل، المغفور له بإذن الله الحسين آيت أحمد، بعد الذي جاء في رسالة الرئيس، وهو ينعي أحد أبرز قادة ثورة التحرير وحركة التحرّر في العالم، فلم يترك للراثين ما يقولونه في حق رجل كبير، كان متفرّدا ومتميزا في معظم مساره النضالي، قبل التحرير وأثناءه وبعده، اختار خلافا لبعض رفقائه الدخول بعد الاستقلال في معركة محفوفة بالمخاطر، فكان ولاؤه الثابت لمبدأين: الديمقراطية كإطار لممارسة الحكم وتوزيع ريع السلطة، والاشتراكية كأفضل نموذج لتحقيق العدالة في توزيع الثروة.
الراحل الكبير كان كما قال عنه الرئيس: "قامة تاريخية بأبعاد انسانية وسياسية" ولن يعترض أحدٌ على توصيف الرئيس للراحل بـ"الرجل المخلص لوطنه، الحريص على وحدة أمّته، الوفي لمبادئه، اللطيف في تعامله، البنّاء في انتقاداته، الشريف في معارضته، لا يساوم ولا يهادن في قضايا وطنه".
هي عباراتٌ صادقة، سبق أن سمعتُ مثلها على لسان الزعيم التاريخي الراحل المغفور له بإذن الله أحمد بن بلة، الذي كان يكنّ نفس التقدير والودّ لرفيق الدرب في المنظمة السرية، ثم في محنة الاعتقال، ولم تؤثر الخلافات التي ظهرت بعد الاستقلال بين الرجلين في ما خبِره كل واحد منهما من صدق وإخلاص للقضية الوحيدة الشريفة التي التقت حولها إرادة الشباب والكهول المفجرين لثورة التحرير.
الإجماع الحاصل في ما صدر حتى الآن من ردود أفعال عند كبار قادة الدولة والنخبة السياسية، فيه بعض العزاء على فقدان الجزائر لهذه القامة التاريخية، وفي نفس الوقت تترك في النفس كثيراً من الأسى والحيرة حيّال تعامل الدولة الجزائرية مع الصفوة من الرجال العظماء الذين ندين لهم ولرفاقهم من جنود جيش التحرير ومناضلي جبهة التحرير، وقادة الحركة الوطنية، باستعادة البلاد لاستقلالها وسيادتها.
ليس مما يشرّف بلد المليون ونصف مليون شهيد أن تدرك المنيّة رجلا بقامة المغفور له بإذن الله وهو في بلد الغربة، بعد أن رفض بلدُه أن يمنح له، ومن قبل لكثيرٍ من أمثاله، فرصة تقديم مزيد من العطاء للبلد، أو أن يتحمّل ما كان يتصف به الراحل آيت أحمد من انتقادٍ مبدئي لأولي الأمر من غير مساومة كما شهد له بذلك الرئيس بوتفليقة، وليس مشرّفا لنا الطريقة التي تعاملت بها السلطة ومكوّنات المشهد السياسي والإعلامي نهاية التسعينيات مع عودة كل من الراحلين بن بلة وآيت أحمد من الغربة للمشاركة في المسار السياسي التعددي الوليد.
وقد يحقّ للجيل الشاب، الذي يجهل الكثير عن الجيل المفجّر لثورة التحرير، أن يسأل الرئيس وجميع الشخصيات الوطنية التي توافقت في التنويه بمناقب الرجل، وبخصاله واستقامته: كيف ولماذا حرمتم البلد من الاستفادة من هذه الخبرة النضالية، والصدق في حب الوطن، والإخلاص له، حتى ضاقت أرض الجزائر عليهم بما رحبت، واضطر من اضطر منهم إلى طلب الغربة، أو أهين كما أهين الزعماء الثلاثة: بوضياف، بن بلة، وأخيرا آيت أحمد، قد شهد لهالرئيس بوتفليقة أنهم "كانوا منارة لجيلهم وللأجيال القادمة، وقدوة حسنة يقتدى بها في الرأي والمبدأ والسلوك"؟! 
المقال صدر في جريدة الشروق الجزائرية

http://wwwzouaoui15.blogspot.com

/

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق