د. سعاد الناصرجامعة عبد المالك السعدي، تطوان/ المغرب
المقوم الثاني: الهدف
إن الانبعاث الحضاري ينبغي أن يكون له جناحان كي يطير نحو آفاق الله: الطاقة الإيمانية وشحن النفوس بها، وتثبيتها بمرتكزاتها الأساسية، ثم وضوح الرؤية والهدف، بحيث يكون للإنسان هدفًا محددًا يريد الوصول إليه، حتى لا تستنزف مجهوداته الأهداف الفرعية أو الهامشية، أو تبعده عن مساره الصحيح. ويوقن "فتح الله كولن" بأن "المجتمعات التي لا توجد لها أهداف سامية ومثُل عليا، أو وُجدت ولم تمتلك معهما جاهزية ذهنية تناسبهما، تجدها تتحرك باستمرار، لكنها لا تقطع شوطًا، لأن قطع الأشواط يتطلب -منذ البداية- تعيين هدف سام يوقره الوجدان ويُرغّب فيه الانسياق الذاتي في نشوة كنشوة العبادة، ثم تفعيل منظومة سليمة حسب معطيات الظروف والبيئة العامة، ثم توجيه مختلف دورات الطاقات إلى نقطة واحدة معينة، ويعني تسخير التراكم العلمي والتجريـبي والطاقة الكامنة لأمر ذلك الهدف السامي والغاية المنشودة."(ص:39). وليس هناك هدف أسمى من "إعداد أجيال مثالية مستهدِفة إنشاء أمة عظيمة"(ص:41). ويستلهم هذا الهدف السامي العام من عصر النبوة فيقول: "ففي عصورِ تخبط الإنسانية في الظلمات، كان أهم مصادر القوة لتلك الثلة من المجاهدين الأوائل المنبثقة من صدر الصحراء هو إيمانهم وغايتهم المأمولة في تفريغ إلهامات إيمانهم الفوارة في قلوبهم أبدًا إلى صدور الآخرين. فبحملة واحدة بدلوا مصير الدنيا من النحس إلى السعد، وبنفخة واحدة صاروا صوت الأمل ونَفَسه في ثلاث قارات"(ص:43). والمقصود بنوال الهدف هو رضا الله عز وجل. ويتفرع عن هذا الهدف السامي مجموعة من الأسس الهامة التي يرتكز عليها، منها:
أـ العمل
منذ العنوان الرئيس والأستاذ كولن يوحي بضرورة تكثيف الجهد والعمل، فكلمة "نبني" تكشف عن رغبة في جعل العمل أساسيًّا لبلوغ أهدافنا، و"المؤمن المسلم من يجعل الإيمان بهذا الدين إحياء لحياته"(ص:173) بالعمل لأنه يحتسب كل عمل من ضرورات السبيل لكسب رضا الحق تعالى(ص:181). والعمل والبناء يجب أن يقام على الإنسان والأخلاق والتعليم والثقافة بكد وجهد، أما استكشاف طرق سهلة ورخيصة للحصول على نعم الحضارة وتقاسمها لا يجدي سوى تراوح الأمة في مكانها لا تبرحه(ص:18).
ب ـ البيئة
إن البيئة بالنسبة للإنسان تتحدد في عنصرين رئيسيين هما العنصر المادي، أي كل ما استطاع الإنسان أن يصنعه كالمسكن والملبس ووسائل النقل والأدوات والأجهزة التي يستخدمها في حياته اليومية، والعنصر المعنوي الذي يشمل عقائد الإنسان وعاداته وتقاليده وأفكاره وثقافته، وكل ما تنطوي عليه نفس الإنسان من قيم وآداب وعلوم تلقائية كانت أم مكتسبة، ويقصد بها الأستاذ كولن هذا العنصر المعنوي، من هنا تُعد البيئة من أهم أسس البناء الحضاري التي تنتج ثمار الأهداف. وقد أهّل الإسلام الإنسان لإنشاء البيئة الصالحة من فكر وثقافة ونظم ومؤسسات تعليمية ومدنية لخدمة المصالح البشرية، فإذا لم تكن البيئة صالحة تثير العشق العلمي وتلهب العزائم على السعي والإنجاز، وتشجع على ذلك، وإذا لم تكن منسوجة بتراث الأمة الثري فإنها لن تنتج سوى العجز والفشل والتبعية، ذلك أن "النجاحات الخارقة للعادة، المتحققة أمس واليوم، والتكوينات العالمية الكبرى، مرتبطة -إضافةً إلى عبقرية الأفراد ونبوغهم- بالبناء الاجتماعي المولدِ للعبقرية، والوسطِ المناسب لتنشئة المكتشِفين، والبيئةِ العامة الحاضنة للقابليات"(ص:15)، ولن يثمر أي جهد أو عمل أو عبقرية إذا لم تيسر لها البيئة الملائمة المنسجمة مع مقومات الأمة الذاتية والمتوافقة مع رؤيتها ومبادئها الحضارية(ص:15).
فإن كنا الآن نفكر في إعادة بناء الذات من جديد، ونبحث عن أسلوبنا الذاتي الحضاري، فينبغي أن نتخلص من احتلال المفاهيم والأفكار الغريبة في داخلنا، والمبرمجة على تخريب جذور الروح والمعنى فينا، وأن نتَّبع -بالضرورة- سبيلا يمكّننا من العمل على طبع فكرنا الذاتي ونظامنا الاعتقادي الذاتي، وفلسفتنا الذاتية في الحياة، على نسيجنا الحضاري الخاص(ص:13).
ج ـ الوحدة
إن الإنسان يعيش في وسط اجتماعي يتأثر به ويؤثر فيه، ولا يمكن أن ينسج علاقات مع أفراده إلا إذا كان هناك نوع من التوافق النسبي على التعايش ضمن مجموعة من القيم والمبادئ المشتركة، كما أن أي بناء لن يرتفع ويقوى إلا بتكاثف الأفراد وتضامنهم، وقد نبه الأستاذ كولن إلى هذا الأساس، وذكر أنه "إذا تكاتفت أمة بفئاتها المختلفة وأصبحت كـ"البنيان المرصوص" كما وصفها مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم، وسخّرت قوتَها وطاقتها في سبيل تكوين البناء الداخلي وتناغمه، فإن الحَزن سيصير سهلاً، وسيكون من الطبيعي أن تأخذ تلك الأمة طريقها لتكون عنصرًا فاعلاً في التوازن الدولي"(ص:32)، وهو أمر منوط بشروط لا غنى عنها لتحقيقه، منها: تحصين المجتمع بثقافة ذاتية مبنية على "قيم أخلاقية تتغذى وتتنفس بها، مستندة بقوة الدين القاهرة، ومتخطية بالاستناد إليها كلَّ أشكال التغريب(ص:32). وضبط الهدف الذي يدفع الناس نحو الحماس والتحرك بضوابط تحقق الانسجام والتوافق في الأمة، لأن "الهمم والحملات الفردية، إن لم تنضبط بالحركة المشتركة ولم تنظم تنظيمًا حسنًا، ستؤدي إلى تصادم بين الأفراد لا محالة.. فيختل النظام، وتنهض كل حملة في عكس اتجاه حركة أخرى، وتُنقص كل عملية من قيمة الناتج حتى يقرب من الصفر"(ص:44). ويحذر من خطورة التحرك الفردي مهما كان خالص النية وصالحًا فيقول: "ولا يغترنّ أحد بحيوية الحركات ونشاطها كلاً على حدة مهما بلغت، إن لم ترتبط أجزاء التكامل والتوازن بمنظومة أقوى وأمتن؛ فربما لا تسند بعضها بعضًا في خط المقصود العام، فتولد أحيانًا نتائج أشد سوءًا من السكون والجمود"(ص:45). ويرجع دوافع الميل إلى التحرك الفردي في الإنسان إلى الأنانية المتأصلة فيه وثقته المفرطة بنفسه، وقصور فهمه لحدود قدرته، وقصور إدراكه لمدى تأثير روح التوحد والتجمع والفعاليات المشتركة والوفاق والاتفاق في جلب العناية الإلهية"(ص:45).
إن في الكتاب مجموعة من المعالم المضيئة، التي تشع بإشارات ودلالات مكتنزة بفيوضات تسري في أعماقنا، وتشحنها بطاقات تجدد خلايا تفكيرنا ومعارفنا، وتحفزها على البحث عن سبل ووسائل تبلغنا غايات التمكين لهذه الأمة، هو جزء من منظومة فكرية تأملية لرائد الخدمة الإيمانية في تركيا، تقتفي خطى المصلحين الصالحين لتجديد الإيمان في نفوسنا ولإحياء هذه الأمة وانبعاثها، بتهيئة وتربية النماذج الإنسانية المجهزة بالقوى الروحية والمعنوية والمادية التي تستطيع اختيار الخير والحق والجميل والصحيح، فيشرفها الله تعالى بوراثة الأرض و بالخلود في الفردوس.
و اهتمام كولن بالأسئلة المحورية عن مقاصد الوجود الإنساني، واستجابته للتحديات الصعبة، تنطلق من رؤية شمولية موغلة في عمق العبودية لله ومطلب رضاه، نسجها بشغاف القلب ورحيق الروح، تنطلق من الواقع دون أن تتقيد به إلى آفاق الانبعاث الحضاري وتكوين المجتمعات الصالحة التي لن تتحقق إلا بإعادة صياغة الإنسان صياغة ربانية.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إليها الكفر والفسوق والعصيان، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، وأسأل الله أن يبصرنا أمور ديننا ودنيانا، وأن يجعل هذا الكتاب في ميزان حسنات الأستاذ كولن، والحمد لله رب العالمين الذي بحمده تتم الصالحات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الأرقام الموجودة بين الأقواس تشير إلى صفحات الكتاب "ونحن نبني حضارتنا".
http://wwwzouaoui15.blogspot.com/
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق